ما الكلفة الحقيقية للازدحام المروري؟

Jameel Motorsدبي، الإمارات العربية المتحدة
8 أكتوبر، 2026
Jameel Motors21 دقيقة للقراءة
Jameel motors

لم يعد الازدحام المروري مجرد إهدار للوقت، بل بات عبئاً متزايداً على الاقتصادات والصحة والبيئة. فكيف يمكن للمدن والشركات التصدي لهذه المشكلة وتحويل تحدياتها إلى فرص لبناء مدن أفضل للعيش والعمل؟

تتفاقم أزمة الازدحام المروري في مختلف أنحاء العالم، ولم تعد تداعياتها تقتصر على الساعات المهدرة خلف عجلات القيادة وما يصاحبها من توتر وإحباط، بل امتدت لتطال الاقتصاد والبيئة والصحة وجودة الحياة. ومع استمرار ارتفاع معدلات امتلاك المركبات، تتزايد حدة المشكلة وتتسع آثارها، ما يجعل تجاهلها خياراً تزداد كلفته عاماً بعد عام. ومع ذلك، لا تزال الفرصة سانحة لإحداث تغيير حقيقي؛ فمن خلال الجمع بين السياسات التنظيمية المدروسة، والتخطيط الحضري المبتكر، والاستثمارات الاستراتيجية، والتقنيات الخضراء، يمكن للمدن الحد من الازدحام وتداعياته، وفتح آفاق جديدة لبناء بيئات حضرية أكثر استدامة وأفضل للعيش والعمل.

هل يتزايد الازدحام المروري؟

تشهد الطرق حول العالم ازدحاماً متزايداً، وهو ما تؤكده أحدث دراسة سنوية أجرتها شركة «إنريكس» (INRIX) في عام 2025، إذ كشفت أن 62% من المناطق الحضرية المشمولة بالدراسة سجلت ارتفاعاً في التأخيرات المرورية، مقارنةً بـ55% في العام السابق. وشملت المناطق التي شهدت ارتفاعاً عاماً في مستويات الازدحام الولايات المتحدة وآسيا، إلى جانب إيطاليا وألمانيا.

  • تصدرت إسطنبول مدن العالم من حيث الوقت المهدَر بسبب الازدحام، بواقع 118 ساعة، تلتها شيكاغو بنحو 112 ساعة، ثم مكسيكو سيتي بواقع 108 ساعات.
  • سجلت المدن الثلاث زيادة في التأخيرات المرورية بنسبة لا تقل عن 10%، فيما شهدت 20 منطقة أخرى ضمن قائمة المناطق الحضرية الـ100 الأعلى في التصنيف زيادات بلغت نسباً من خانتين.

وجاءت نتائج المؤشر السنوي لحركة المرور الصادر عن شركة «توم توم» (TomTom) لتؤكد هذا الاتجاه، إذ أظهرت ارتفاع مستوى الازدحام عالمياً من 20% إلى 25% خلال عام 2025.

  • تصدرت مكسيكو سيتي تصنيف «توم توم» للمدن الأكثر ازدحاماً، بمتوسط بلغ 75.9%، وهو مؤشر يقيس الوقت الإضافي الذي تستغرقه الرحلات بسبب الازدحام المروري.
  • جاءت مدينة بنغالورو الهندية في المرتبة الثانية بنسبة 74.4%، تلتها العاصمة الأيرلندية دبلن بنسبة 72.9%.
  • على مستوى الدول، تصدرت كولومبيا قائمة البلدان الأكثر ازدحاماً بنسبة 48.8%، تلتها مالطا بنسبة 45.1%، ثم الفلبين بنسبة 44.6%.

وفي هذا السياق، أكد رالف بيتر شيفر، نائب رئيس شركة «توم توم» لشؤون معلومات حركة المرور والسفر، أن تفاقم الازدحام يستدعي «تحركاً عاجلاً لمواجهة التحديات المتشابكة» التي تقف وراء هذه الظاهرة. وشدد على ضرورة تعميق فهم مخططي المدن وصناع السياسات لقضايا التنقل والنقل وإدارة حركة المرور، بما يساعدهم على اتخاذ قرارات «تضمن أن تظل المدن صالحة للعيش، وتتمتع بالكفاءة والاستدامة، رغم تزايد الازدحام المروري».

لماذا يتفاقم الازدحام المروري؟

تتضافر عوامل عديدة لتفاقم الازدحام المروري، في مقدمتها النمو السكاني في المدن، وارتفاع معدلات امتلاك السيارات، والتوسع المتسارع في التجارة الإلكترونية. وفيما يلي نظرة عن كثب على أبرز العوامل التي تسهم في تفاقم هذه الظاهرة:

النمو السكاني المتزايد

 ترتبط أزمة الازدحام المروري، في جوهرها، بمعادلة العرض والطلب؛ فمع تزايد أعداد السكان، يرتفع عدد المركبات وتتزايد كثافة الحركة المرورية، ما يضاعف الضغط على شبكات الطرق ويطيل أوقات التنقل. ويعيش اليوم نحو 45% من سكان العالم في المدن، أي أكثر من ضعف النسبة المسجلة عام 1950. كما تضاعف عدد المدن العملاقة، التي يتجاوز عدد سكان كل منها 10 ملايين نسمة، أربع مرات منذ عام 1975، ليصل إلى 33 مدينة في عام 2025. ومن المتوقع أن تستأثر المدن بثلثي النمو السكاني العالمي حتى عام 2050، ما ينذر بمزيد من الضغوط على شبكات النقل والبنية التحتية الحضرية.

ولا يتوقف الأمر عند النمو السكاني؛ فالتمدد العمراني يزيد المشكلة تعقيداً، إذ يضطر سكان المناطق البعيدة عن مراكز المدن إلى قطع مسافات أطول للوصول إلى أعمالهم وقضاء احتياجاتهم اليومية. ويرى البعض أن ارتفاع تكاليف السكن يزيد الوضع سوءاً، إذ يدفع السكان إلى البحث عن مساكن أقل تكلفة، ولو على حساب الابتعاد عن أماكن عملهم، ما يطيل رحلات التنقل اليومية ويفاقم الازدحام المروري.

وفي المقابل، لا تواكب التوسعات في شبكات الطرق الزيادة المتسارعة في أعداد المركبات؛ ففي آسيا، نمت شبكات الطرق بمعدل سنوي بلغ 2.5% بين عامي 2010 و2014، مقابل ارتفاع سنوي قدره 7.3% في أعداد المركبات. ومع ذلك، فإن إنشاء المزيد من الطرق لا يضمن بالضرورة حلاً مستداماً للازدحام؛ إذ تؤكد دراسات عديدة ظاهرة «الطلب المستحث»، التي تعني أن زيادة الطاقة الاستيعابية للطرق تشجع على استخدامها بصورة أكبر، لتعود الاختناقات المرورية تدريجياً، وكأن التوسعات الجديدة لم تكن.

ارتفاع معدلات امتلاك السيارات

يتزايد استخدام السيارات وغيرها من المركبات على الطرق حول العالم. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، واصل عدد المركبات المسجلة ارتفاعه على مدى عقود، ليبلغ 284 مليون مركبة في عام 2023. وكشفت دراسة أجرتها شركة «إبسوس» عام 2026 أن قيادة السيارات تصدرت وسائل النقل المفضلة في 22 دولة من أصل 31 دولة شملتها الدراسة، فيما تشير التوقعات إلى استمرار النمو السنوي لسوق سيارات الركاب عالمياً حتى عام 2030.

وتبرز هذه الزيادة بصورة خاصة في البلدان النامية، التي تشهد نمواً متسارعاً في استخدام السيارات الخاصة والدراجات النارية. ففي كولومبيا، تجاوز عدد المركبات الجديدة المسجلة 100,000 مركبة بين يناير وأبريل 2026، بزيادة بلغت 49.3% مقارنةً بالفترة نفسها من العام السابق. أما في أفريقيا، فمن المتوقع أن يتجاوز إجمالي المسافات التي تقطعها سيارات الركاب الخاصة بحلول عام 2030 ضعف مستواه المسجل عام 2015.

تزايد أعداد مركبات التوصيل

يمثل النمو المتسارع للتجارة الإلكترونية عاملاً رئيسياً آخر وراء تزايد أعداد المركبات على الطرق. ويحذر المنتدى الاقتصادي العالمي وشركة «أكسنتشر» من أن استمرار الاتجاهات الحالية قد يؤدي إلى زيادة أعداد مركبات التوصيل في المدن كافة بنسبة 61% بحلول عام 2030، ما قد يفاقم الازدحام المروري بنسبة 14%. ومن المتوقع أن يكون التأثير أشد في المدن الناشئة، مثل بنغالورو، حيث يُتوقع ارتفاع أعداد مركبات التوصيل بنسبة 84%. وتفرض مركبات نقل البضائع عبئاً غير متناسب على الحركة المرورية في المدن، إذ تشغل ما بين 20% و40% من المساحات المخصصة لحركة المركبات على الطرق، رغم أنها لا تستأثر إلا بنسبة تتراوح بين 15% و25% من إجمالي الكيلومترات المقطوعة في قطاع النقل. ولا يقتصر تأثيرها على استهلاك المساحات المتاحة على الطرق، بل يمتد إلى تعطيل الحركة المرورية بطرق أخرى، من بينها الوقوف في صف ثانٍ وإغلاق مسارات المشاة والدراجات.

ما تداعيات الازدحام المروري؟

لا شك أن الوقوع في الازدحام المروري تجربة مرهقة تهدر الوقت وتستنزف الأعصاب، غير أن كلفته الحقيقية تتجاوز ذلك بكثير، إذ تمتد آثاره لتطال أربعة جوانب رئيسية:

التأثير الاقتصادي

يهدر السائقون ساعات طويلة في الاختناقات المرورية، كان بوسعهم استغلالها في العمل أو الأنشطة الترفيهية التي تسهم في تنشيط الاقتصاد. فوفقاً لأبحاث شركة «إنريكس»:

  • أهدر السائقون في الولايات المتحدة 49 ساعة بسبب الازدحام المروري في عام 2025، بكلفة بلغت 894 دولاراً أمريكياً للسائق الواحد، فيما وصلت الخسائر الإجمالية على مستوى البلاد إلى 85.8 مليار دولار أمريكي.
  • قُدّرت الكلفة الإجمالية للازدحام المروري في المملكة المتحدة وألمانيا بنحو 11 مليار جنيه إسترليني و5.3 مليار يورو على التوالي.

وقد تتكبد المدن منفردة خسائر اقتصادية هائلة بسبب الازدحام. فبحسب بيانات «إنريكس»، بلغت خسائر مدينة نيويورك 9.7 مليار دولار أمريكي، مقابل 8.6 مليار دولار أمريكي في لوس أنجلوس خلال عام 2025. وفي لندن، قدّر عمدة المدينة في عام 2022 الكلفة السنوية للازدحام على اقتصاد العاصمة البريطانية بنحو 5.1 مليار جنيه إسترليني، أي ما يعادل 1,211 جنيهاً إسترلينياً للسائق الواحد. وإلى جانب الوقت المهدَر، يؤدي الازدحام إلى انخفاض كفاءة استهلاك الوقود نتيجة بقاء المحركات في وضع التشغيل أثناء توقف المركبات، وتكرار التوقف والانطلاق، وفقدان قوة الدفع، والاضطرار إلى القيادة باستخدام السرعات المنخفضة.

التأثير البيئي

يسهم الازدحام المروري في تفاقم مشكلة التلوث، ليس فقط بسبب بقاء المركبات على الطرق لفترات أطول، بل أيضاً نتيجة زيادة استهلاك الوقود مع تكرار التوقف والانطلاق، ما يؤدي إلى ارتفاع انبعاثات الغازات الدفيئة وغيرها من الملوثات بمعدلات تفوق الزيادة في استهلاك الوقود. ومع مساهمة النقل البري بنحو ربع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عالمياً (24%)، بات الازدحام يشكل تحدياً كبيراً للاستدامة وجودة الهواء، فضلاً عن تسببه في ارتفاع مستويات الضوضاء.

ومن المتوقع أن يسهم النمو المتسارع للتجارة الإلكترونية في تفاقم هذه الآثار البيئية. فبحسب توقعات المنتدى الاقتصادي العالمي، قد تؤدي الزيادة المرتقبة في أعداد مركبات التوصيل بحلول عام 2030، إذا استمرت الاتجاهات الحالية، إلى ارتفاع الانبعاثات الكربونية الناجمة عن عمليات التوصيل بنسبة 60%، لتشكل نحو 54% من إجمالي انبعاثات قطاع النقل.

الآثار الصحية

يؤدي الازدحام المروري في المدن إلى تركز ملوثات الهواء في المناطق الأعلى كثافة سكانية. وقد يتسبب استنشاق أكاسيد النيتروجين المنبعثة من عوادم المركبات في تهيج الجهاز التنفسي، وتفاقم أمراض مثل الربو، وزيادة احتمالات الإصابة بالتهابات الجهاز التنفسي. كما أن التعرض الطويل لهذه الملوثات قد يزيد خطر الوفاة الناجمة عن أمراض متعددة. وترتبط الجسيمات الدقيقة العالقة، المعروفة باسم «PM2.5»، بمجموعة واسعة من المشكلات الصحية، تشمل أمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية والاضطرابات العصبية، نظراً إلى صغر حجمها الذي يسمح لها بالتغلغل عميقاً في الرئتين والوصول إلى مجرى الدم.

ولا تقتصر التداعيات الصحية للازدحام المروري على تلوث الهواء، إذ أظهرت دراسات أن الازدحام وما يصاحبه من ضغوط نفسية قد يؤثران سلباً في الصحة النفسية، فيما تسهم الضوضاء المرورية في زيادة مخاطر الإصابة باضطرابات النوم وأمراض القلب الإقفارية. وكشفت دراسة أُجريت في مدينة شيتاغونغ ببنغلاديش أن الازدحام المروري أدى إلى زيادة الشعور بالإحباط لدى مستخدمي الطرق بنسبة 54%، والغضب بنسبة 89%، فضلاً عن معاناة نسبة كبيرة منهم من مشكلات صحية، من بينها الصداع والإرهاق واضطرابات العين.

الآثار الاجتماعية

تتجاوز التداعيات الاجتماعية للازدحام المروري ما يمكن قياسه بالأرقام، كونها تمس جوانب عديدة من حياة الأفراد والمجتمعات. فإلى جانب ما يسببه من ضغوط نفسية، يحرم الازدحام الناس من أوقات ثمينة كان بإمكانهم قضاؤها مع أسرهم وأصدقائهم أو المشاركة خلالها في الأنشطة المجتمعية. وينعكس ذلك سلباً على جودة حياتهم، وقد تترتب عليه آثار اقتصادية وصحية واجتماعية أوسع، سواء بسبب تدهور حالتهم الصحية، أو انتقالهم للعيش في مناطق أخرى، أو تراجع مشاركتهم في الحياة المجتمعية. وقد خلصت دراسة أُجريت في الصين عام 2022 إلى أنه «كلما طالت المدة التي يقضيها العاملون في التنقل اليومي، تراجع مستوى رضاهم عن العمل والحياة». وقد تسهم الرحلات الطويلة أيضاً في تعميق أوجه عدم المساواة الاجتماعية؛ فبينما يستطيع الميسورون تحمل تكاليف السكن بالقرب من أماكن عملهم، يضطر أصحاب الدخل المحدود إلى قطع مسافات طويلة يومياً للوصول إلى أعمالهم.

وفي الوقت نفسه، يسهم نمو التجارة الإلكترونية، إلى جانب عوامل أخرى، في تغيير أنماط استخدام المساحات الحضرية، ما يضيف تحديات جديدة إلى مشكلة الازدحام. فمركبات التوصيل باتت تتنافس مع خدمات طلب السيارات عبر التطبيقات، وأنظمة مشاركة الدراجات، ومرافق شحن المركبات الكهربائية، على المساحات المحدودة المتاحة على جوانب الطرق. وأثناء البحث عن أماكن للوقوف، قد يتسبب السائقون في إغلاق حارات المرور وممرات المشاة ومسارات الدراجات، ما يزيد الاختناقات المرورية ويثير مخاوف تتعلق بالسلامة. وقد أظهرت دراسات أُجريت في مدينة سياتل الأمريكية أن سائقي المركبات التجارية يقضون 28% من وقت رحلاتهم في البحث عن مواقف، وأن هذه المركبات، التي تشكل مركبات التوصيل معظمها، تقف في أماكن غير مصرح بها خلال 40% من الوقت.

ولا تقتصر أضرار الازدحام المروري على سكان المدن، بل تمتد إلى الحياة البرية أيضاً؛ إذ قد يؤثر تلوث الهواء والضوضاء في أعداد الكائنات البرية، بما يخل بالتوازن البيئي المحلي، وقد تترتب عليه تحولات غير متوقعة في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمناطق المتضررة. ويكشف هذا التشابك بين الآثار المختلفة للازدحام عن حجم التحديات التي تواجه صناع السياسات، وضرورة تبني حلول متكاملة لمعالجتها. وفي مثال على ذلك، توصلت دراسة أجرتها جامعة ملبورن إلى أن التلوث الناجم عن الشاحنات والحافلات يكبد أستراليا تكاليف صحية تبلغ 6.2 مليار دولار أمريكي سنوياً، في مؤشر واضح على ترابط هذه المشكلات وصعوبة معالجتها بمعزل عن بعضها بعضاً.

كيف تتصدى المدن لمشكلة الازدحام المروري؟

تتبنى المدن والشركات مجموعة من التدابير للحد من الازدحام المروري، تشمل تنظيم حركة المرور، وإعادة تصميم المساحات الحضرية، والاستثمار في وسائل النقل البديلة، وابتكار حلول أكثر كفاءة لتوصيل البضائع.

فرض رسوم على استخدام الطرق

يُعد فرض رسوم على استخدام الطرق أحد أكثر الحلول التي أثبتت الأدلة فعاليتها في الحد من الازدحام المروري والمشكلات المرتبطة به. وكانت لندن من المدن الرائدة في هذا المجال، إذ فرضت رسوم الازدحام عام 2003 ضمن منطقة تبلغ مساحتها 21 كيلومتراً مربعاً، وسرعان ما ظهرت نتائج هذه الخطوة. فخلال العام الأول، انخفض الازدحام المروري بنسبة 30%، وتراجع متوسط السرعات بالنسبة نفسها، فيما ارتفع عدد ركاب الحافلات بنسبة 38%.

غير أن تحليلاً أجرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عام 2022 كشف أن المساحات التي أتاحها تراجع الازدحام سرعان ما شغلتها سيارات الأجرة وغيرها من مركبات الخدمات المعفاة من الرسوم. ونتيجة لذلك، ظل إجمالي المسافات التي تقطعها المركبات على طرق لندن مستقراً نسبياً على مدى العقدين الماضيين، عند نحو 20 مليار ميل سنوياً. ومع ذلك، فمن المرجح أن الأوضاع المرورية كانت ستصبح أسوأ بكثير لولا تطبيق رسوم الازدحام. وتسهم هذه السياسة، إلى جانب مناطق الانبعاثات المنخفضة، في تحسين جودة الهواء في المدينة.

وحققت مدن أخرى نتائج سريعة مماثلة بعد تطبيق رسوم الازدحام. ففي ميلانو، أسهم فرض رسوم الازدحام خلال أوقات محددة عام 2012 في خفض حركة المرور داخل المنطقة المشمولة بالنظام بنسبة 28% خلال عامين. أما في نيويورك، فقد أظهرت الأبحاث أن نظام رسوم الازدحام، الذي بدأ تطبيقه في يناير 2025، أسهم في تقليص التأخيرات المرورية بنسبة 25%، وخفض مستويات الجسيمات الدقيقة العالقة بنسبة 22% مقارنةً بما كانت عليه قبل تطبيق النظام.

إعادة تصميم المدن

في مواجهة الازدحام المروري وما يرتبط به من تحديات، يتجه مخططو المدن والحكومات إلى تبني حلول تتجاوز السياسات والإجراءات التقليدية، لتصل إلى إعادة تصور المدن من الأساس. وقد شهدت باريس بعضاً من أبرز التحولات الحضرية خلال العقدين الماضيين، مع تبنّي رئيسة بلديتها السابقة، آن هيدالغو، مفهوم «مدينة الـ15 دقيقة»، الذي يتيح للسكان الوصول إلى الخدمات والمرافق المحلية في غضون دقائق سيراً على الأقدام أو بالدراجات. وكشفت دراسة أُجريت عام 2024 أن نحو 100 مدينة حول العالم كانت تخطط لتطبيق هذا المفهوم أو مفاهيم مشابهة، أو شرعت بالفعل في تنفيذها. ومع ذلك، فمن المرجح أن تتباين الحلول الأكثر فعالية تبعاً لظروف كل مدينة واحتياجاتها.

وفي برشلونة، يبرز مفهوم «الكتل الحضرية الكبرى»، المعروف باسم «سوبر إييس» (Superilles)، نموذجاً لحلول بسيطة قادرة على إحداث تغييرات جذرية في البيئة الحضرية. وتقوم الفكرة على إغلاق أربعة تقاطعات ضمن شبكة تتألف من تسع كتل عمرانية، وإعادة تخصيص المساحات التي تشغلها الطرق لصالح المشاة وراكبي الدراجات والمساحات الخضراء. وتشير بعض الدراسات إلى أن هذا النموذج لا يقتصر أثره على تحويل حركة السيارات إلى طرق أخرى، بل قد يؤدي إلى تراجعها فعلياً، مع الاستغناء عن بعض الرحلات غير الضرورية. وفي دراسة أُجريت عام 2025 وشملت ثلاثاً من هذه الكتل الحضرية الكبرى، أفاد المشاركون بتحسن مستويات الرفاه لدى السكان والعاملين، وتعزيز الشعور بالهدوء وتحسن جودة النوم، إلى جانب انخفاض مستويات الضوضاء والتلوث وزيادة التفاعل الاجتماعي

الاستثمار في وسائل النقل البديلة

لتحقيق أقصى استفادة من الجهود الرامية إلى الحد من الازدحام المروري، ينبغي أن تقترن السياسات الهادفة إلى تقليص حركة المرور بالاستثمار في وسائل النقل البديلة. فشبكات النقل العام المتطورة قادرة على تقليص أوقات الرحلات وخفض مستويات التلوث بدرجة كبيرة. ففي البرازيل، أسهم مشروع توسعة أحد خطوط مترو ساو باولو، الذي نُفذ بين عامي 2010 و2020، في خفض متوسط زمن الرحلات بنسبة 50%. ويخدم امتداد الخط الخامس نحو 500,000 راكب يومياً، تشكل النساء 56% منهم، فيما ينتمي 58% إلى أسر منخفضة الدخل.

وفي تنزانيا، حققت المرحلة الأولى من نظام النقل السريع بالحافلات في دار السلام، التي دخلت الخدمة عام 2016، نتائج مماثلة، إذ قلصت أوقات الرحلات بنسبة 50%، وانخفض زمن بعض الرحلات من ثلاث ساعات إلى 45 دقيقة فقط. وعلى غرار المبادرات المماثلة في مدن أخرى، صُممت الشبكة لتوفير تجربة تنقل تضاهي خدمات المترو، ولكن بتكلفة أقل بكثير، من خلال مسارات مخصصة للحافلات، ومحطات مستقلة، ونظام للتذاكر مسبقة الدفع. ومن المتوقع أن تستوعب الشبكة مليوني راكب يومياً عند اكتمالها.

وتواصل مدن ومناطق عديدة الاستثمار في تطوير البنية التحتية للدراجات، سواء لربط المدن ببعضها بعضاً أو لتسهيل التنقل داخلها. ففي النرويج، افتُتح هذا العام طريق سريع جديد مخصص للدراجات بطول 13 كيلومتراً، يربط بين مدينتي ستافانغر وساندنس، بمسارات منفصلة تماماً عن حركة السيارات والمشاة.

إعادة ابتكار خدمات التوصيل

في ظل تفاقم الازدحام المروري وتشديد الإجراءات التنظيمية لحركة المرور، تتجه شركات التجارة الإلكترونية بصورة متزايدة إلى استخدام وسائل التنقل الصغيرة، مثل الدراجات الكهربائية المخصصة لنقل البضائع، بدلاً من شاحنات التوصيل الخفيفة، بما يتيح لها إنجاز المرحلة الأخيرة من عمليات التوصيل بكفاءة أكبر. وتمتلك «أمازون» اليوم أسطولاً من الدراجات الكهربائية والدراجات البخارية الكهربائية والعربات اليدوية، موزعاً على أكثر من 70 مركزاً في ما يزيد على 50 مدينة أوروبية، لتوصيل الطلبات إلى مراكز المدن والمناطق السكنية.

وتبرز أيضاً فرص واعدة أمام الشركات لإنشاء مراكز لوجستية مشتركة. ففي برلين، نجح مشروع تجريبي شاركت فيه خمس من كبرى شركات توصيل الطرود في تسليم 160,000 طرد باستخدام الدراجات الكهربائية المخصصة لنقل البضائع، ما أسهم في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بمقدار 11 طناً مترياً. وتشمل المبادرات الأخرى الرامية إلى رفع كفاءة عمليات التوصيل تطوير شبكات استلام الطرود وتسليمها، مثل خزائن الطرود الآلية والمتاجر المعتمدة كنقاط للاستلام والتسليم. ففي المملكة المتحدة، تعتزم شركة «إيفري» مضاعفة حجم شبكتها من هذه النقاط لتصل إلى 25,000 نقطة بحلول عام 2030، باستثمارات تبلغ 50 مليون جنيه إسترليني. كما بدأت بعض المدن استخدام روبوتات التوصيل، وإن لم تحظَ هذه التقنية بالترحيب في جميع الحالات.

وتستكشف إدارات العديد من المدن أساليب جديدة لمعالجة التحديات المرتبطة بعمليات التوصيل، من بينها توظيف التقنيات الرقمية والبيانات لتحسين إدارة المساحات المخصصة للوقوف والتحميل والتفريغ على جوانب الطرق. فمنذ عام 2022، تستخدم مدينة بيتسبرغ الأمريكية الكاميرات الرقمية وتقنيات التعلم الآلي لتشغيل مناطق تحميل وتفريغ ذكية، ما أسهم في زيادة معدل تناوب المركبات على استخدام هذه المناطق بنسبة 40%، وتقليص متوسط مدة التوقف فيها بنسبة 23%.

كيف ستدير المدن الازدحام المروري مستقبلاً؟

تتنوع الأساليب المتبعة لمعالجة الازدحام المروري وتتباين بدرجة كبيرة، غير أن التجارب العالمية أثبتت إمكانية الحد من هذه الظاهرة والتخفيف من تداعياتها. ويتيح الجمع بين الطاقة الكهربائية والبيانات والتقنيات الرقمية والحلول المبتكرة فرصاً واعدة لإعادة رسم ملامح المدن، وتحويلها إلى بيئات حضرية أكثر راحة وإنتاجية، بمكاسب تتجاوز مجرد تخفيف الازدحام المروري.

وتتسع آفاق الحلول المستقبلية، من توصيل الطلبات بالطائرات المسيّرة إلى سيارات الأجرة المائية ذاتية القيادة. غير أن نجاح هذه الابتكارات يستلزم إشراك جميع الأطراف المعنية والمتأثرة بها في صياغة الاستراتيجيات وتنفيذها. ويقدم مجتمع «لوجيستيك 010» في روتردام، الذي يجمع نحو 3,000 شركة لوجستية إلى جانب جهات حكومية ومؤسسات معرفية وتعليمية، نموذجاً راسخاً للتعاون بين مختلف القطاعات. وفي ديترويت، تبرز منطقة ابتكار النقل مثالاً على كيفية إتاحة الفرصة للمدن لاختبار تقنيات التنقل الجديدة بوتيرة سريعة وبصورة مسؤولة. ونظراً إلى تشابك العوامل المسببة للازدحام المروري وتعقيد تداعياته، فإن مواجهته تتطلب تضافر جهود الجميع؛ فاستعادة انسيابية الحركة على الطرق تبدأ بتعزيز التعاون وتوحيد الجهود بين مختلف الأطراف.

خمس حقائق سريعة: الكلفة الحقيقية للازدحام المروري

س: هل تتفاقم مشكلة الازدحام المروري؟

ج: نعم، في معظم المناطق. فقد ارتفعت التأخيرات المرورية خلال عام 2025 في 62% من المدن التي شملتها دراسة «إنريكس»، مقارنةً بنسبة 55% في العام السابق، فيما أظهر مؤشر «توم توم» ارتفاع مستوى الازدحام عالمياً من 20% إلى 25%.

س: ما الكلفة التي يتكبدها السائقون بسبب الازدحام المروري؟

ج: أكبر بكثير مما قد يتصوره البعض. ففي الولايات المتحدة، خسر السائق الواحد 49 ساعة بسبب الازدحام المروري خلال عام 2025، بكلفة بلغت 894 دولاراً أمريكياً، فيما وصلت الخسائر الإجمالية على مستوى البلاد إلى 85.8 مليار دولار أمريكي، منها 9.7 مليار دولار تكبدتها مدينة نيويورك وحدها.

س: هل تقتصر تداعيات الازدحام المروري على الاقتصاد؟

ج: إطلاقاً، فتداعياته تمتد إلى البيئة والصحة والمجتمع. ويُعد النقل البري مسؤولاً عن نحو ربع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عالمياً (24%)، فيما يفاقم تلوث الهواء المخاطر الصحية ويؤثر سلباً في جودة الحياة.

س: هل يسهم فرض رسوم على السائقين في الحد من حركة المرور؟

ج: نعم، وهو من الحلول التي تدعم الأدلة فعاليتها بقوة. ففي لندن، أسهم تطبيق رسوم الازدحام في خفض حركة المرور بنسبة 30% خلال العام الأول، فيما نجح النظام الذي أطلقته نيويورك عام 2025 في تقليص التأخيرات المرورية بنسبة 25%، وخفض مستويات الجسيمات الدقيقة العالقة بنسبة 22%.

س: هل يمكن لمعالجة الازدحام المروري أن تجعل المدن أماكن أفضل للعيش؟

ج: بالتأكيد، فالفوائد تتجاوز مجرد تقليص الوقت المهدَر على الطرق. ففي إطار طموحها للتحول إلى «مدينة الـ15 دقيقة»، أضافت باريس أكثر من 1,000 كيلومتر من مسارات الدراجات، وخفضت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 35% بين عامي 2012 و2022. وفي برشلونة، أعادت مبادرة «الكتل الحضرية الكبرى» تخصيص مساحات من الطرق لصالح السكان، الذين أفادوا بانخفاض مستويات الضوضاء، وتحسن جودة النوم، وتعزيز التواصل الاجتماعي.


[1] https://inrix.com/scorecard/

[2] https://www.tomtom.com/newsroom/press-releases/general/136190136013341/traffic-index-us-ranks-among-worlds-least-congested-countries-despite-gridlocked-cities/

[3] https://www.tomtom.com/newsroom/press-releases/general/136190136013341/traffic-index-us-ranks-among-worlds-least-congested-countries-despite-gridlocked-cities/

[4] https://www.un.org/en/desa/latest-urbanization-data-reveal-world’s-most-populous-cities

[5] https://www.sciotoanalysis.com/news/quick-analysis-do-high-housing-prices-cause-longer-commutes

[6] https://asiantransportobservatory.org/insights/cop29-primer-insight-13/

[7] https://www.tomtom.com/newsroom/explainers-and-insights/induced-demand-explained/

[8] https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0967070X18301720

[9] https://www.shiply.com/articles/us-car-ownership-statistics

[10] https://www.ipsos.com/en/the-death-of-car-ownership

[11] https://www.statista.com/outlook/mmo/passenger-cars/worldwide/?srsltid=AfmBOop36gWDuhSR3gY0i4AHqSt9bRf–ue0QJxkYbrTqp_Z_YkR8YhL#unit-sales

[12] https://www.worldbank.org/en/results/2024/03/13/promoting-livable-cities-by-investing-in-urban-mobility

[13] https://latamobility.com/en/car-sales-in-colombia-skyrocket-april-2026/

[14] https://itdp.org/2025/09/04/global-cities-can-still-turn-the-tide-on-car-centric-growth/

[15] https://reports.weforum.org/docs/WEF_Transforming_Urban_Logistics_2024.pdf

[16] https://www.oecd.org/content/dam/oecd/en/publications/reports/2024/06/urban-logistics-hubs_1c944796/da4dee9f-en.pdf  

[17] https://www.weforum.org/stories/urban-transformation/sustainable-deliveries-cities-companies-logistics/

[18] https://inrix.com/scorecard/

[19] https://www.london.gov.uk/press-releases/mayoral/cost-of-congestion-in-capital-revealed

[20] https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S1364032125009219

[21] https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S1364032125009219

[22] https://reports.weforum.org/docs/WEF_Transforming_Urban_Logistics_2024.pdf

[23] https://www.nature.com/articles/s41467-025-56963-y

[24] https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S2666765724001212

[25] https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC12975094/

[26] https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S2666691X22000203

[27] https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC9819363/

[28] https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0967070X20302274?via%3Dihub

[29] https://urbanfreightlab.com/wp-content/uploads/2023/04/Commercial-Vehicle-Parking-in-Downtown-Seattle-Insights-on-the-Battle-for-the-Curb.pdf

[30] https://www.eea.europa.eu/en/european-zero-pollution-dashboards/indicators/impacts-of-environmental-noise-on-biodiversity-signal-1

[31] https://www.theguardian.com/environment/2026/feb/22/air-pollution-emissions-trucks-buses-australia-health-effects

[32] https://www.c40knowledgehub.org/s/article/How-road-pricing-is-transforming-London-and-what-your-city-can-learn  

[33] https://www.oecd.org/en/publications/ipac-policies-in-practice_22632907-en/london-s-congestion-charge-and-its-low-emission-zones_c6cd48e9-en.html

[34] https://www.c40knowledgehub.org/s/article/How-road-pricing-is-transforming-London-and-what-your-city-can-learn  

[35] https://www.governor.ny.gov/news/six-months-governor-hochul-highlights-success-congestion-pricing-traffic-down-business-and

[36] https://news.cornell.edu/stories/2025/12/congestion-pricing-improved-air-quality-nyc-and-suburbs

[37] https://www.c40knowledgehub.org/s/article/How-road-pricing-is-transforming-London-and-what-your-city-can-learn  

[38] https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0965856424002829

[39] https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0013935124004547

[40] https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0013935124004547

[41] https://link.springer.com/article/10.1186/s12889-025-21835-z

[42] https://www.worldbank.org/en/results/2024/03/13/promoting-livable-cities-by-investing-in-urban-mobility

[43] https://www.worldbank.org/en/results/2024/03/13/promoting-livable-cities-by-investing-in-urban-mobility

[44] https://momentummag.com/norway-opens-13-kilometre-cycling-superhighway-connecting-stavanger-and-sandnes/

[45] https://www.worldbank.org/en/results/2024/03/13/promoting-livable-cities-by-investing-in-urban-mobility

[46] https://micromobility.io/news/the-new-last-mile-how-micromobility-is-reshaping-urban-delivery

[47] https://www.aboutamazon.eu/news/sustainability/amazon-announces-100-million-deliveries-in-europe-completed-using-electric-cargo-bikes-electric-mopeds-and-pushcarts

[48] https://marketplace.eiturbanmobility.eu/best-practices/decarbonising-urban-logistics-with-cooperative-micro-depots-in-berlin

[49] https://motortransport.co.uk/operator-news/evri-to-double-parcelshop-and-locker-network-with-50m-investment/26473.article

[50] https://www.bbc.co.uk/news/articles/c0rygp005wjo

[51] https://www.weforum.org/stories/urban-transformation/sustainable-deliveries-cities-companies-logistics/

[52] https://reports.weforum.org/docs/WEF_Combatting_Congestion_2025.pdf

[53] https://logistiek010.nl/

[54] https://detroitmi.gov/government/mayors-office/office-mobility-innovation/transportation-innovation-zone

Jameel Motors
Jameel Motors
كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُحدث تحولاً في تخطيط منظومات النقل؟