كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُحدث تحولاً في تخطيط منظومات النقل؟

Jameel Motorsدبي، الإمارات العربية المتحدة
28 سبتمبر، 2026
Jameel Motors17 دقيقة للقراءة
Jameel motors

أصبح الذكاء الاصطناعي عنصراً لا غنى عنه في إعادة رسم مشهد التنقل الحضري، إذ يتسع دوره من تخفيف حدة الازدحام المزمن إلى تصميم شبكات النقل في مدن المستقبل. لكن إلى أي مدى يمكن أن يمتد تأثيره؟ وما التحديات التي قد تعوق قدرته على إحداث هذا التحول؟

ورغم الاندفاع المتسارع نحو العالم الرقمي، تظل حركة الأشخاص والبضائع ركناً أساسياً من أركان الحياة الحديثة. فبين تنقلاتنا اليومية إلى المنازل والمصانع والمدارس والمستشفيات، ورحلاتنا إلى مدن جديدة بحثاً عن تجارب سياحية مختلفة، لم يكن الإنسان أكثر حركة وتنقلاً مما هو عليه اليوم.

ومع ذلك، لا تزال كثير من منظومات النقل قائمة على تقنيات تعود جذورها إلى القرن العشرين. كما أن جانباً متزايداً من البنية التحتية الحضرية التي نعتمد عليها بات متقادماً، في حين تظل وسائل النقل المختلفة، من القطارات والترام إلى الحافلات، تُدار في كثير من الأحيان بمعزل بعضها عن بعض، بدلاً من أن تتكامل ضمن شبكة موحدة ومترابطة للتنقل.

ما كان في السابق مجموعةً من شبكات النقل المتفرقة التي تعمل بمعزل بعضها عن بعض، بات يتجه، بفضل تقنيات التعلم الآلي، نحو منظومة مترابطة ومتكاملة تتفاعل مكوناتها بسلاسة وكفاءة.

لكن مشهد التنقل يشهد اليوم تحولات جذرية، مدفوعاً بظهور تقنيات جديدة تعيد رسم التصورات الراسخة حول كيفية تخطيط منظومات النقل وإدارتها. فما كان في السابق مجموعةً من شبكات النقل المتفرقة التي تعمل بمعزل بعضها عن بعض، بات يتجه، بفضل تقنيات التعلم الآلي، نحو منظومة مترابطة ومتكاملة تتفاعل مكوناتها بسلاسة وكفاءة.

وهنا تحديداً يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يُحدث نقلة نوعية في منظومة التنقل الحضري.

ما التكلفة المالية لعدم كفاءة منظومة النقل في المدن؟

رغم التحولات المتسارعة في أنماط التنقل، لا تزال المجتمعات الحديثة متمسكة إلى حد كبير بالمركبات الخاصة. فالإنتاج العالمي من المركبات يقترب اليوم من 100 مليون مركبة سنوياً، مقارنة بأقل من 60 مليون مركبة عند مطلع القرن الحالي. وفي الوقت نفسه، تستوعب طرق العالم نحو 1.7 مليار مركبة، مع توقعات بارتفاع هذا العدد إلى 1.738 مليار مركبة في عام 2027.

ولا بد أن يكون لاعتمادنا المفرط على المركبات ثمن. فشبكات النقل الحالية تظهر علامات واضحة على الضغط والإجهاد، بما يؤدي إلى آثار جسيمة في الوقت والتكلفة. وفي لندن بالمملكة المتحدة، إحدى أكثر مدن العالم ازدحاماً، تشير الدراسات إلى أن السائق العادي أمضى 6 أيام عالقاً في حركة المرور خلال 2025. واستغرق قطع مسافة كيلومتر واحد في لندن خلال 2025 ما متوسطه 3 دقائق و38 ثانية، بزيادة قدرها 4 ثوانٍ خلال عام واحد. كما جاءت بارانكيا في كولومبيا، وبنغالورو وكولكاتا في الهند، ودبلن في أيرلندا، ومكسيكو سيتي، وليما وتروخيو في بيرو، ودافاو في الفلبين، وكيوتو في اليابان ضمن قائمة أكثر 10 بؤر ازدحاماً في العالم.

تتزايد الحاجة لتحديث منظومات النقل الحضري وإطلاق طاقات مدننا، بما يمكّنها من التحول إلى محركات اقتصادية قوية قادرة على دعم ازدهار الدول.

وعندما ننظر إلى الصورة على نطاق عالمي، تتحول هذه الاختلالات اللوجستية إلى أعباء مالية ضخمة. فالوقت المهدور بسبب الازدحام داخل المدن يكلف الاقتصاد العالمي ما يُقدَّر بنحو 500 مليار دولار أمريكي سنوياً. ومع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة، ومواجهة الحكومات صعوبات في تمويل المشروعات الرامية إلى التصدي لتغير المناخ، تتزايد الحاجة لتحديث منظومات النقل الحضري وإطلاق طاقات مدننا، بما يمكّنها من التحول إلى محركات اقتصادية قوية قادرة على دعم ازدهار الدول.

ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في هذا التحول بطريقتين رئيسيتين:

  1. مساعدتنا على تصميم شبكات نقل متكاملة ومهيأة للمستقبل
  2. إدارة العمليات اليومية لشبكات النقل بعد دخولها الخدمة

كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تصميم شبكات التنقل المستقبلية؟

تستطيع الأنظمة المؤتمتة تشغيل منظومات التنقل المعقدة بأقل قدر ممكن من فترات التوقف والتأخير. لكن حتى قبل أن تدور عجلة واحدة، يمكن لبرمجيات التحليل التنبؤي المدعومة بالذكاء الاصطناعي أن تضمن تصميم شبكات النقل المناسبة منذ البداية.

وقد بدأت أدوات النمذجة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في إتاحة فهم أكثر دقة من أي وقت مضى لكيفية تنقل الأشخاص والبضائع عبر المدن، وللعوامل التي تقف وراء هذه الأنماط. ومن منظور تخطيط النقل، يتيح الذكاء الاصطناعي دمج بيانات الاستخدام الحالي لمنظومة التنقل الحضري مع الاتجاهات الاجتماعية والديموغرافية طويلة الأجل، بما يساعد على استشراف مستويات الطلب المستقبلية بدرجة أعلى من الدقة.

ولا يقف دور الذكاء الاصطناعي عند هذا الحد، إذ يمكنه محاكاة الآثار المحتملة لمختلف خيارات البنية التحتية والسياسات في أنماط التنقل المستقبلية. وتوفر هذه التحليلات والرؤى قاعدةً معرفية تستند إليها عملية صنع القرار، بما يدعم توجيه الاستثمارات نحو خيارات أكثر ذكاءً وكفاءة.

ويواجه مخططو شبكات النقل أسئلة عديدة، ينطوي كل منها على قرارات مكلفة وعالية المخاطر، من بينها:

  •  هل تحتاج شبكة القطارات إلى محطة جديدة لخدمة ضاحية سكنية متنامية يعتمد سكانها على التنقل اليومي؟
  •  هل يقع الموقع المقترح لمرفق «اركن واركب» في المكان الأكثر ملاءمة للسائقين؟
  • هل يحتاج مسار ترام يعاني الاكتظاظ إلى خط موازٍ؟
  • وماذا عن إضافة محطات حافلات ومراكز تبديل جديدة لمواكبة تغير حركة المشاة؟
  • أو إنشاء نقاط شحن جديدة للحافلات الكهربائية والدراجات الكهربائية؟
  • هل ستُلحق المناطق الخالية من السيارات ضرراً اقتصادياً يفوق منافعها؟

وفي كل حالة من الحالات السابقة، تنطوي هذه القرارات على التزامات طويلة الأجل وباهظة التكلفة. فالنجاح يَعِد بمكاسب كبيرة، لكن كلفة الخطأ لا تقل جسامة. وتستطيع الأنظمة الحديثة القائمة على الذكاء الاصطناعي بناء نماذج شاملة على المستوى الكلي لشبكات النقل وأنماط الطلب لدى المستخدمين، بفضل قدراتها الهائلة في المعالجة اللوغاريتمية والتعلم الآلي. كما يمكنها مساعدة المدن على صياغة استراتيجيات للتنقل لا تستجيب لاحتياجات اليوم والغد فحسب، بل تستشرف أيضاً احتياجات العقود المقبلة.

ومن بين الأدوات التي يمكن أن توفرها هذه الأنظمة:

  • خرائط شاملة توفر مخططات تفصيلية لأنظمة الحافلات والترام والمترو وسيارات الأجرة والقطارات، بما يوفر رؤية متكاملة للنقل العام على مستوى المدينة.
  • محاكاة تأثيرات حركة المرور، بما يسهم في بناء تقديرات لحجم الاضطرابات الناجمة عن مشروعات إنشاء بنية تحتية جديدة للنقل، بما يحد من الآثار الآنية المصاحبة لبناء مستقبل أفضل.
  •  تخطيط السيناريوهات للتنبؤ بالآثار الإجمالية على مستوى المدينة لمسارات النقل العام الجديدة أو سياسات تقسيم المناطق أو الاستثمارات في النقل، مع ضمان تحقيق أقصى عائد من كل دولار يُنفق.
  •  نمذجة النقل متعدد الوسائط لمساعدة المدن على تحقيق التوازن الأمثل بين مختلف أشكال النقل العام والخاص، بما يوسّع نطاق المنافع ليشمل مناطق بأكملها.
  •  مواكبة التحولات في استخدامات الأراضي، بما يسهم في محاكاة الآثار المحتملة لمشروعات التطوير الجديدة على أنماط التنقل، مثل المجمعات السكنية والمراكز التجارية والمباني المكتبية، بما يتيح استباق التغيرات في الطلب على النقل.
  •  إتاحة البيانات للجميع لتوفير واجهة مشتركة تمكّن مختلف أصحاب المصلحة في سلسلة قيمة النقل من تقديم البيانات وتحليلها.
  •  مؤشرات الاستدامة من خلال دمج بيانات حركة المرور مع البيانات المناخية المستمدة من أجهزة استشعار الانبعاثات ومحطات رصد الطقس، بما يضمن مواءمة خطط النقل مع أهداف إزالة الكربون.

كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في تحسين إتاحة التنقل للجميع، وهو مطلب أساسي لبناء منظومات نقل أكثر إنصافاً واستدامة.

وتستطيع تقنيات النمذجة المتقدمة تقديم تحليلات محدثة لكيفية وصول مختلف الفئات الاجتماعية إلى شبكة النقل، بما يكشف الأحياء التي ربما لا تحظى بالخدمة الكافية ويحدد أبرز العوائق المشتركة أمام الاستخدام. ومن خلال التنبؤ بكيفية تطور السكان على المديين القصير والمتوسط، يمكن للذكاء الاصطناعي توجيه التمويل نحو المناطق التي تعاني نقصاً في خدمات النقل العام. كما يمكنه المساعدة في ضمان تلبية احتياجات العاملين الأساسيين من ذوي الأجور المنخفضة، وتمكين الجميع، بصرف النظر عن أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، من الوصول إلى الحقوق الأساسية المتمثلة في العمل والرعاية الصحية والتعليم.

وبمجرد دخول شبكة النقل المعاد تصميمها حيز التشغيل، سيواصل الذكاء الاصطناعي الاضطلاع بدور محوري في منظومة التنقل الحضري، إذ تتنامى قدرته على الإشراف، لحظة بلحظة، على كامل منظومة حركة المرور في المدينة.

كيف يمكن للذكاء الاصطناعي تحسين إدارة حركة المرور في المدن؟

يكفي أن تمضي بعض الوقت في مدينة حتى تدرك سريعاً مدى هشاشة منظومات النقل التي نعتمد عليها. فقد يتعطل قطار مترو داخل نفق فتتوقف حركة الشبكة بأكملها، أو يتسبب سوء الأحوال الجوية في إغلاق شريان رئيسي للدخول إلى المدينة أو الخروج منها، أو تؤدي حافلة تحاول تفادي أعمال طرق مخطط لها إلى طوابير مرورية في شارع جانبي مزدحم أصلاً. وغالباً ما تتفاقم هذه المشكلات تباعاً عندما يبحث الركاب عن بدائل مع تعطل وسيلة النقل التي يفضلونها. وقبل أن يتضح للجميع ما حدث، قد يجد جزء واسع من المدينة نفسه غارقاً في حالة شلل مروري تام.

وتنشأ مثل هذه الحالات لأن وسائل النقل المختلفة تُدار وتُنسَّق في العادة بواسطة فرق منفصلة، يعمل كل منها ضمن نطاق مستقل من البيانات. أما نظام الذكاء الاصطناعي الشامل، فيمكنه تكوين رؤية موحّدة لتدفقات الحركة على مستوى المدينة، وابتكار حلول تحدّ من التأخير إلى أدنى مستوى ممكن، مع تقليل عدد المتضررين منه قدر الإمكان.

وتجمع أنظمة النقل الحديثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي بين اتساع نطاق قدراتها وقوة حوسبية لافتة. فهي تستطيع إعداد توقعات قصيرة الأجل لحركة المرور قبل دقائق أو حتى ساعات، كما يمكنها اختبار الاستجابات للأحداث غير المتوقعة، مثل الأعطال، وتقييم السيناريوهات المختلفة لتحديد أقلها تأثيراً. ويمكنها أيضاً تحسين أداء الشبكات في الوقت الفعلي، سواء من خلال التحكم في الإشارات المرورية وأولويات المسارات، أو عبر تعديل سرعات القطارات والترام بما يوزع أوقات الوصول ويحد من التكدس. بل ويمكنها التدخل لتعديل الجداول الزمنية وضمان تنسيق الخدمات وتزامنها.

وفي كثير من الحالات، تتكامل أدوات الذكاء الاصطناعي بسلاسة مع البنية التحتية القائمة، ما يتيح لعدد متزايد من المدن الاستفادة من التحكم الديناميكي في حركة المرور وإدارة الحوادث.

ما القيود الحالية التي تواجه تطبيق الذكاء الاصطناعي في تخطيط النقل؟

يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقاً واسعة لإحداث تحول جوهري في إدارة حركة المرور عبر عدد من المجالات الرئيسية:

  • تصميم منظومات
  • نقل مرنة ومتعددة الاستخدامات
  • تنسيق شبكات نقل متعددة الوسائط تزداد تعقيداً
  • التنبؤ بالازدحام والطوابير المرورية
  • تحسين توقيت الإشارات واللوحات الرقمية

ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات رئيسية ينبغي تجاوزها قبل أن يتمكن الذكاء الاصطناعي من إحداث تحول جذري في منظومة التنقل الحضري.

فكفاءة أي نظام تبقى رهناً بجودة البيانات التي يعتمد عليها. إذ قد تؤدي بيانات حركة المرور القديمة أو غير المكتملة إلى تنبؤات غير دقيقة وقرارات تشغيلية ضعيفة. كما يمكن للأحداث غير المتوقعة، مثل الظواهر الجوية المتطرفة أو أعطال البنية التحتية أو التجمعات الجماهيرية، أن تربك النماذج التي جرى تدريبها حصراً على الأنماط التاريخية.

كما تواجه المدن تحديات مالية لا تقل أهمية، إذ تتطلب أنظمة النقل المدعومة بالذكاء الاصطناعي استثمارات أولية كبيرة، فضلاً عن بنية رقمية واسعة تشمل أجهزة الاستشعار المتصلة والكاميرات وأنظمة الاتصالات. وقد تمثل هذه التكاليف عبئاً مالياً ثقيلاً، لا سيما في المناطق منخفضة الدخل التي قد تفتقر إلى الموارد اللازمة لتمويل مثل هذه التحولات.

كما أن إضافة منصات الذكاء الاصطناعي إلى بنية تحتية متقادمة أو غير ملائمة قد تفضي إلى مشكلات في التوافق وتدنٍ مزمن في الأداء. ولذلك، قد يعني الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، في بعض الحالات، الاستثمار أيضاً في بنية تحتية جديدة.

وفي هذا السياق، ينبغي أن يظل الذكاء الاصطناعي أداةً مساندة، لا بديلاً عن التقدير البشري.

وتبرز كذلك تحديات تتعلق بالشفافية وثقة الجمهور، إذ تعمل كثير من نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة وفق ما يُعرف بآلية «الصندوق الأسود»، الأمر الذي يصعّب على مخططي النقل فهم الأسس والمنطق الكامن وراء بعض القرارات التي تتوصل إليها هذه النماذج.

وتتضاعف تحديات التطبيق مع تنامي المخاوف المرتبطة بالأمن السيبراني وخصوصية البيانات، خصوصاً عندما تمتد الأتمتة إلى خدمات الطوارئ والسلامة العامة، حيث تصبح موثوقية الأنظمة وأمنها مسألة بالغة الحساسية.

وفي المستقبل، يُرجح أن تجمع منظومات النقل الأكثر مرونة وقدرة على الصمود بين الأتمتة الذكية ومخططين ذوي خبرة قادرين على تفسير الظروف المحلية. وفي هذا السياق، ينبغي أن يظل الذكاء الاصطناعي أداةً مساندة، لا بديلاً عن التقدير البشري.

وفي ضوء هذه المعطيات، يبرز تساؤل آخر بشأن الأولويات التي ينبغي لمخططي المدن وقيادات قطاع التنقل وفرق التكنولوجيا التركيز عليها للاستفادة القصوى من إمكانات الذكاء الاصطناعي في منظومات النقل.

ما أولويات دمج الذكاء الاصطناعي في تخطيط منظومة النقل وإدارتها؟

يتطلب نجاح دمج الذكاء الاصطناعي في منظومات النقل أكثر من مجرد إنفاق مبالغ طائلة وانتظار أفضل النتائج؛ إذ يستلزم تخطيطاً دقيقاً ورقابة مستمرة.

ويقدم مركز ابتكار التنقل التابع للمنتدى الدولي للنقل مجموعة من التوصيات الرئيسية لمخططي المدن الذين يدرسون دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في أنظمة تخطيط النقل وإدارته.

  • تقييم مدى ملاءمة الذكاء الاصطناعي: ليس الذكاء الاصطناعي الخيار الأنسب في جميع الحالات، إذ تتوقف جدواه بدرجة كبيرة على عوامل مثل جودة البيانات، والقدرات المؤسسية، وتوافر الموارد المالية. ولا ينبغي اللجوء إليه باعتباره حلاً مكلفاً وسريعاً للتغطية على أوجه قصور هيكلية متجذرة. لذلك، يتعين على المخططين أن يقيّموا دائماً ما إذا كانت الأساليب التقليدية قادرة على تحقيق نتائج أفضل وأكثر كفاءة.
  • اختيار النظام المناسب: تختلف احتياجات التطبيقات باختلاف السياقات، ومن ثم ينبغي للجهات المعنية التأكد من أن النماذج والتقنيات المرشحة تتواءم مع الأولويات المحلية والنتائج المستهدفة.
  • البدء على نطاق محدود: ينبغي للجهات المعنية الانطلاق بمشروعات تجريبية محدودة ومنخفضة المخاطر، تتيح اختبار تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتكييفها قبل تعميمها على نطاق أوسع؛ إذ يمكن للتجارب محدودة النطاق أن تساعد في بناء الخبرات التقنية، مع الحد من الاضطرابات إذا لم تعمل الأنظمة على النحو المتوقع.
  • إرساء إطار حوكمة واضح: ينبغي أن تقوم منظومات الذكاء الاصطناعي على مبادئ الشفافية والمساءلة والقدرة على الصمود على المدى الطويل، بما ينسجم مع مسؤوليات الخدمة العامة التي تضطلع بها سلطات النقل، لا مع اعتبارات تجارية بحتة.
  • مراقبة الأداء: على المخططين أن يدركوا أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي لا تصل إلى نقطة يمكن عندها اعتبار العمل قد اكتمل. فالمراجعة والتقييم المستمران ضروريان لضمان احتفاظ الأنظمة بدقتها وقدرتها على مواكبة احتياجات النقل المتغيرة. وإذا تراجع أداؤها، ينبغي للجهات المعنية أن تكون مستعدة لإعادة التدخل البشري إلى عمليات التحليل وصنع القرار.

ومن خلال تطبيق هذه المبادئ، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقودنا بعيداً عن مستقبل تختنق فيه المدن بحركة المرور، نحو صورة أقرب إلى المدينة المثالية؛ حيث تنساب الحركة بسلاسة، وتتكامل منظومات التنقل العام الذكية والخضراء والمترابطة.

كيف يمكن أن يتطور تخطيط حركة المرور المدعوم بالذكاء الاصطناعي مستقبلاً؟

تخيّل مدينة لا تختنق فيها الطرق بحركة المرور، لأن المركبات والطرق ومراكز الربط بين وسائل النقل تتواصل وتتبادل البيانات لحظة بلحظة. هذا هو التصور الذي تَعِد به أنظمة إدارة النقل المدعومة بالذكاء الاصطناعي على نطاق المدينة بأسرها.

وقد بدأت بالفعل ملامح كثيرة من هذا المستقبل تتجسد على أرض الواقع. ففي سنغافورة، يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتحسين انسيابية حركة المرور ودعم تخطيط المدن الذكية. ومنذ إطلاق النظام، تراجعت حالات التعطل خلال ساعات الذروة بنسبة 20%، فيما ارتفعت سرعات التنقل في أوقات الذروة بنسبة 15%.

وفي الصين، تُظهر منصة «سيتي برين» (City Brain) في هانغتشو كيف يمكن للتعلم الآلي أن يسهم في الحد من الازدحام من خلال تنسيق الإشارات المرورية على مستوى أحياء كاملة. ومنذ إطلاق المنصة، تراجعت هانغتشو من المرتبة الثانية بين أكثر مدن الصين ازدحاماً إلى المرتبة 34، بالتوازي مع انخفاض عدد الحوادث.

ويحلل الذكاء الاصطناعي بالفعل البيانات المتدفقة من الكاميرات والمركبات ومحطات الطقس وأجهزة الاستشعار المنتشرة على الطرق، للتنبؤ بمواقع الاختناقات المرورية قبل حدوثها، ثم تكييف توقيت الإشارات وحدود السرعة والجداول التشغيلية مع الظروف المتغيرة. لكن مدن الغد المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تذهب بهذا النموذج إلى مدى أبعد بكثير.

«المدن الأذكى لن تكون تلك التي تكتفي باستخدام المزيد من الذكاء الاصطناعي، بل تلك التي توظفه بقدر أكبر من الحكمة، وتضعه دائماً في خدمة سكانها.»

وقد تعمل منظومات النقل العام، ولوجستيات الشحن، وخدمات الطوارئ، وشبكات شحن المركبات الكهربائية في نهاية المطاف ضمن منظومة واحدة متكاملة، بما يسهم في تقليص أزمنة الرحلات. كما يمكن للتوائم الرقمية أن تتيح للمخططين اختبار مشروعات البنية التحتية الجديدة «افتراضياً» قبل تنفيذها على أرض الواقع، فيما تستطيع التحليلات التنبؤية استباق احتياجات الصيانة قبل وقوع الأعطال.

وينبغي للمدينة الحديثة أن تعمل ككائن حي سليم، تتدفق الحركة في طرقها وروابط النقل الأخرى كما يتدفق الدم في الأوردة والشرايين دون عوائق. ويتطلب تحقيق هذه الرؤية مزيجاً من الحوكمة المدروسة والابتكار التكنولوجي. فالمدن الأذكى لن تكون تلك التي تكتفي باستخدام المزيد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بل تلك التي توظفه بقدر أكبر من الحكمة، وتضعه دائماً في خدمة سكانها، لا في خدمة التكنولوجيا ذاتها

الذكاء الاصطناعي في شبكات النقل – 5 حقائق سريعة:

س: ما الكلفة الاقتصادية لتأخيرات النقل في المدن؟

ج: يكلف الوقت المهدور بسبب الازدحام بالمدن الاقتصاد العالمي ما يُقدَّر بنحو 500 مليار دولار أمريكي سنوياً.

س: كم يبلغ عدد المركبات على طرق العالم اليوم؟

ج: نحو 1.7 مليار مركبة، ومن المتوقع أن يرتفع هذا العدد إلى 1.738 مليار مركبة في عام 2027.

س: كم ساعة يهدرها السائقون في لندن بسبب الازدحام المروري؟

ج: في عام 2025، أمضى السائق في لندن 6 أيام في المتوسط عالقاً في حركة المرور، بينما استغرق قطع مسافة كيلومتر واحد 3 دقائق و38 ثانية في المتوسط.

س: ما أثر استخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة حركة المرور في سنغافورة؟

ج: منذ إطلاق المنظومة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، تراجعت التأخيرات خلال ساعات الذروة بنسبة 20%، فيما ارتفعت سرعات التنقل في أوقات الذروة بنسبة 15%.

س: كيف غيّر الذكاء الاصطناعي موقع هانغتشو على قائمة أكثر مدن الصين ازدحاماً؟ ج: منذ إطلاق منصة «سيتي برين» (City Brain) المدعومة بالذكاء الاصطناعي، انتقلت هانغتشو من المرتبة الثانية بين أكثر مدن الصين ازدحاماً إلى المرتبة 34، بالتزامن مع انخفاض عدد الحوادث.


[1] https://www.statista.com/statistics/262747/worldwide-automobile-production-since-2000/?srsltid=AfmBOoqdTTODSqbVigKP1JFhTmVhMjTRzLpakUKChRI_pg2lOQlOdWB2

[2] https://hedgescompany.com/blog/2021/06/how-many-cars-are-there-in-the-world/

[3] https://media.tomtom.com/f/178460/x/0351ad0747/tomtom-traffic-index-united-kingdom.pdf

[4] https://www.oliverwyman.com/middle-east/our-expertise/insights/2026/jan/how-the-middle-east-can-beat-its-traffic-crisis.html

[5] https://www.itf-oecd.org/sites/default/files/repositories/ai_use_by_transport_authorities_handout.pdf

[6] https://www.earthday.org/smart-cities-green-futures-how-ai-is-powering-urban-sustainability/

[7] https://www.pacificresearch.org/freedom-v-efficiency-hangzhous-city-brain-can-improve-efficiency-but-raises-many-questions/


Jameel Motors
Jameel Motors
هل يمكن لمفهوم «التنقل كخدمة» أن يُحدث تحولاً في منظومة النقل الحضري؟