كيف أصبحت بولندا قوّة صاعدة في سوق السيارات الأوروبي؟

يشهد سوق السيارات الأوروبي حالة من التقلّب المتسارع؛ فبينما تقفز المبيعات في مناطق معينة، نراها تصطدم بحائط الركود في مناطق أخرى مجاورة لها تماماً. ولكن، أين يكمن هذا النمو تحديداً، وأين تظهر المؤشرات الواضحة على التباطؤ؟
ولعلَّ المثير للدهشة في هذا المشهد هو أنَّ الدول التي تسجل اليوم أعلى معدلات التسارع ليست تلك الأسواق التقليدية العريقة مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا؛ رغم ضخامة اقتصاداتها وامتلاكها لأشهر علامات السيارات العالمية التي طالما فاخرت بها. بل على النقيض تماماً، تبرز الأسواق الناشئة في أوروبا الشرقية، وفي مقدمتها بولندا، كلاعبين جدد يهيمنون تدريجياً على “حارة السير السريع” في القارة العجوز.
فمع نهاية عام 2025، حافظت بولندا على موقعها المتقدم بين أكبر أسواق السيارات في الاتحاد الأوروبي، حيث سجّلت 597,435 عملية تسجيل لمركبات جديدة خلال ذلك العام، محتلةً بذلك المركز الثاني خلف إسبانيا مباشرة. ويمثل ذلك نمواً نسبته 8.3% مقارنة بالعام السابق، مما يعزز موقع بولندا كواحدة من أسرع أسواق السيارات الكبرى نمواً وتوسعاً في القارة الأوروبية.

وفي غضون تلك الفترة، كانت المراكز التاريخية لصناعة السيارات تواجه مسارات مغايرة تماماً، حيث سجلت فرنسا تراجعاً بنسبة 4%، وانكمش السوق الإيطالي بنسبة 2.1%، بينما لم تتجاوز نسبة النمو في ألمانيا حاجز 1.4%.
كيف تساهم نماذج الدفع الجديدة في دفع عجلة هذا الأداء القوي؟

المدير العام
جميل للسيارات – بولندا
“نشهد هنا في بولندا أداءً فريداً من نوعه مقارنة بالدول الأوروبية الأخرى”. بهذه العبارة يستهل الخبير المخضرم في قطاع السيارات، مارسين سلومكوفسكي، حديثه مؤكداً الطفرة الحالية. وبصفته المدير التنفيذي لشركة “جميل للسيارات بولندا” — الموزع الرسمي لعلامتي “جيلي أوتو” (Geely Auto) و”جي أيه سي” (GAC) في البلاد — يمتلك سلومكوفسكي رؤية ثاقبة حول الاتجاهات المؤثرة في سوق السيارات البولندي المزدهر.
ويضيف مارسين قائلاً: ” الأهم من ذلك أن كافة المؤشرات لا تزال إيجابية وتبشر بتنامي هذا الزخم؛ فعلى سبيل المثال، نتوقع أن نسجل هذا العام نمواً إجمالياً يتراوح بين 7% و8% في كافة قطاعات السوق، وهو ما يقارب 600 ألف سيارة. والمثير للدهشة أن هذه النتائج تتفوق حتى على مستويات ما قبل جائحة كوفيد-19، التي أثرت سلباً على الاقتصاد المحلي والدولي لفترة ليست بالقصيرة”.
لكن ما هي العوامل الدقيقة التي تقف وراء هذا النمو المتواصل؟ إن قراءة متعمقة للأرقام تكشف عن صورة أوضح وأكثر تفصيلاً.
تشير الأرقام إلى أن مركبات الشركات تقود جانباً كبيراً من زخم السوق، إذ تشكّل ما يقارب 70% من مبيعات السيارات الجديدة في بولندا. ومع ذلك، فإن وتيرة المبيعات آخذة في الصعود عبر كافة القطاعات؛ سواء داخل نطاق الأسر أو في القطاعات التجارية، مع تركز النمو الأكثر تسارعاً في أوساط المشترين الأفراد.
ويبرز عامل محوري يقف خلف هذا النمو المتسارع، يتمثل في التوسع اللافت للسيارات القادمة من سوق واحد على وجه الخصوص، ألا وهو السوق الصيني.
وفي هذا السياق، يوضح مارسين قائلاً:”نحن في بولندا حالياً أمام مشهد تنافسي يضم أكثر من 30 علامة تجارية للسيارات من الصين تتسابق لكسب ثقة العملاء”. ويضيف واصفاً هذا التحول:”إن هذا الأمر يعد تحولاً جذرياً بكل ما للكلمة من معنى؛ فقبل عامين فقط، لم يكن لدينا في السوق البولندي سوى علامة تجارية صينية واحدة وهي إم جي موتور، التابعة لمجموعة سايك موتور”.
ويتابع مارسين رؤيته التحليلية قائلاً: “إن وجود هذا العدد الكبير من العلامات الصينية في سوقنا هو أمر استثنائي بكل المقاييس. ورغم أن بعضها لم يبدأ بعد في تفعيل استراتيجياته التسويقية بشكل كامل، إلا أننا نتوقع أن تركز هذه العلامات بشكل مكثف على تعزيز حضورها ورفع مستوى وعي المستهلك بها في المستقبل القريب”.
كيف يؤثر هذا الطوفان الصيني على سوق السيارات المستعملة في بولندا؟
ثمة تساؤل يفرض نفسه: كيف ألقى هذا التحول بظلاله على سوق السيارات المستعملة؟ والجواب أنه بدلاً من الدخول في صدام مباشر وتنافس صريح مع العلامات الأوروبية العريقة، تستهدف العديد من العلامات الصينية الجديدة شريحة مختلفة تماماً من السوق؛ وهي تلك الشريحة التي يمثلها “مجتمع السيارات المستعملة” النابض بالحيوية والذي يحظى بانتشار واسع في بولندا. وبرغم ظهور هذه البدائل الجديدة بأسعارها التنافسية والمغرية، إلا أن قطاع السيارات المستعملة لا يزال يظهر مرونة مذهلة في وجه التغيير. ففي عام 2024، قفز عدد السيارات المستعملة المستوردة إلى بولندا بنسبة 19.5%، ليصل إلى 880 ألف سيارة. إلا أن هذه الأرقام الضخمة أدت، وبشكل حتمي، إلى إثارة إشكاليات معقدة تتعلق بمعادلة العرض والطلب؛ حيث بات سوق السيارات المستعملة في بولندا يعاني من انخفاض طويل الأمد في “القيمة السوقية لكل وحدة”. ويشير هذا المسار التنازلي إلى واحد من أكثر التراجعات حِدة في هذا القطاع على مستوى القارة الأوروبية برمتها

ومع بروز نماذج التسعير الجديدة هذه، تبنت شركات صناعة السيارات التقليدية استراتيجيات جديدة جريئة للحفاظ على وتيرة مبيعات السيارات الجديدة.
ويشرح مارسين ذلك بقوله: “شعرت شركات التصنيع الأوروبية العريقة، مثل بي إم دبليو ومرسيدس ومجموعة ستيلانتس – التي تضم علامات مثل فيات وكرايسلر وسيتروين وبيجو وفوكسهول – أنها مضطرة للتحرك من أجل الحفاظ على مكانتها التاريخية. وقد شهدنا في الآونة الأخيرة عروضاً مذهلة بالفعل للأفراد. إنه سوق شديد الديناميكية يتغير بوتيرة متسارعة حيث تظهر منتجات وعروض وتخفيضات جديدة بشكل شبه يومي.”
كيف تُغيّر العلامات التجارية الصينية التصورات في بولندا؟
دائماً ما تحمل الطفرات التقنية في طياتها مزيجاً من الفرص والتحديات.
وخلافاً للدول الأخرى التي حققت فيها المركبات الكهربائية — وغالباً ما تكون صينية المنشأ — نجاحات سريعة في الأسواق المحلية، لا يزال السوق البولندي يعتمد بشكل كبير على السيارات التقليدية العاملة بمحركات الاحتراق الداخلي.
ولهذا السبب، وعلى الرغم من أن الشركة الصينية الرائدة في المركبات الكهربائية «بي واي دي» أصبحت اسماً مألوفاً في معظم أنحاء العالم بعد أن تجاوز إنتاجها 4 ملايين سيارة في عام 2024، أي بزيادة تُعادل عشرة أضعاف خلال خمس سنوات، فإن تأثيرها في بولندا بقي محدوداً. وفي المقابل، تصدّرت علامات صينية أخرى مثل أومودا وإم جي موتور وبايك المشهد في السوق البولندية، مستندةً في طرازاتها إلى محركات الاحتراق الداخلي.
ومع تزايد التزام العلامات الأوروبية بلوائح الاتحاد الأوروبي التي تفرض إنتاج مركبات كهربائية أو هجينة قابلة للشحن، يجد تجار السيارات في بولندا أنفسهم تحت ضغط المنافسة أمام الأسعار الأجنبية المغرية والمنخفضة.
وقد أثارت العروض التنافسية في خيارات التأجير مخاوف المراقبين في السوق، إذ إنها تُعرّض قطاع السيارات البولندي لالتزامات مالية خطيرة تتعلق بـ «القيمة المتبقية»، وهي القيمة التقديرية للسيارة عند انتهاء فترة عقد التأجير.
ويصف مارسين سلومكوفسكي هذه الاستراتيجية بأنها نوع من «حالة الذعر»؛ حيث لجأت بعض العلامات التجارية العريقة إلى ضمان مستويات مرتفعة جداً للقيمة المتبقية بعد انتهاء عقود التأجير محددة المدة، تصل إلى 85% على مدار عامين.
ويشجع هذا التوجه على ازدهار سوق المبيعات الجديدة، إذ لا يحتاج العملاء سوى لمبلغ صغير نسبياً لشراء سيارة جديدة، مما يجعلها صفقة جذابة. لكن هذه المقاربة محفوفة بالمخاطر، إذ قد تتراجع القيمة السوقية الفعلية بدرجة أكبر بكثير مما هو متوقّع، مما ينقل المخاطر المالية مباشرة إلى ميزانيات شركات التأجير.
ويحذر مارسين قائلاً: “إن الحفاظ على قيم متبقية مرتفعة بشكل مصطنع يمكن أن يُحدث زيادة كبيرة في استقطاب العملاء الجدد، لكنه قد يسبب مشكلات خطيرة لاحقاً عندما تصطدم طموحات التسويق بأرض الواقع وقوى السوق الفعلية “.
وقد يكمن طوق النجاة النهائي في الاحتمالات القائمة لإنهاء النزاع بين روسيا وأوكرانيا؛ إذ إن انفتاح هذين البلدين على واردات السيارات المستعملة سيتيح لتجّار السيارات في بولندا أسواقاً جديدة واسعة لتصريف مخزوناتهم من السيارات المستعملة. وبعبارة أخرى، قد تشكّل هذه التطورات فرصة ذهبية لتسييل أصول قد تكون قيمتها الحالية أعلى من قيمتها الفعلية في السوق.
هل يدفع نمو الناتج المحلي الإجمالي بموجة جديدة من المشترين؟
بغض النظر عن تبعاتها طويلة الأمد، لا يمكن إنكار أن سياسة “الخصومات الكبيرة ” قد نجحت في تحفيز الطلب لدى فئة من العملاء كانت تعتبر امتلاك سيارة جديدة حلماً يتجاوز قدراتها المالية. ففي عام 2024، قفزت مبيعات السيارات الجديدة للأفراد بنسبة هائلة بلغت 34.1%، حيث انتهزت العائلات البولندية الفرصة لتحديث سياراتها بشروط تمويل ميسرة ومغرية.
وعندما يجد المستهلك البولندي نفسه أمام خيار شراء سيارة مستعملة من علامة تجارية عريقة، أو دفع مبلغ مقارب للحصول على سيارة جديدة تماماً من علامة صينية صاعدة، فإن أعداداً متزايدة من السائقين في بولندا باتت تنحاز بوضوح للخيار الثاني.
وبالنظر إلى المستقبل، تسود حالة من التفاؤل على قطاع السيارات في بولندا، يغذيها مشهد اقتصادي كلي واعد.
وفي هذا الصدد، يشير مارسين سلومكوفسكي قائلاً: “إن الاقتصاد البولندي يحقق نمواً لافتاً؛ فعلى سبيل المثال، نتوقع هذا العام نمواً بنسبة 4% في الناتج المحلي الإجمالي للدولة”. ويختتم مارسين رؤيته بالقول: “مع ارتفاع مستويات الثراء، بات بمقدور المواطن البولندي تبنّي نظرة أكثر تحرراً تجاه خيارات التنقل الشخصي؛ وقد يترجم ذلك إلى امتلاك أكثر من سيارة لكل أسرة، أو قيام الآباء بشراء سيارات لأبنائهم. الطلب موجود وقوي، وهذا يفتح أمامنا آفاقاً من الفرص الهائلة وغير المحدودة”.
شراكات جميل للسيارات مع جي ايه سي وجيلي: تحالفات كبرى لإعادة رسم خارطة التوزيع
في ظل هذا المشهد التنافسي المحموم، وقّعت شركة جميل للسيارات – بولندا هذا العام اتفاقيتيّن جديدتيّن للتوزيع مع مصنّعين صينيين، بهدف تعزيز توسّع أعمالها داخل البلاد بوتيرة غير مسبوقة.
ففي أبريل 2025، تم الإعلان رسمياً عن شراكة بين جميل للسيارات و «جي ايه سي»، التي تعد واحدة من أكبر عمالقة صناعة السيارات في الصين، لدخول السوق البولندية عبر اتفاقية توزيع لسيارات «جي ايه سي» المستدامة.

ومن المقرر أن يبدأ هذا التعاون بطرح علامتين تجاريتين في السوق خلال الربع الثالث من عام 2025، وهما علامة “آيون” (Aion)، التي تضم مجموعة من السيارات الذكية العاملة بالطاقة الجديدة من “جي أيه سي”؛ وعلامة “هايبتك” (Hyptec)، وهي علامة تجارية فاخرة للسيارات الكهربائية. وتتميز كلتا العلامتين بتصاميم عصرية، وأنظمة متطورة لمساعدة السائق، ومدى قيادة ممتد يصل إلى 520 كم في الشحنة الواحدة. وعند الإطلاق، ستتوافر ثلاثة طرازات من “جي أيه سي” وهي: “آيون في” (Aion V)، و”آيون واي بلس” (Aion Y Plus)، و”هايبتك إتش تي” (Hyptec HT).
وفي إطار هذا التحالف الاستراتيجي، ستتولى شركة جميل للسيارات تطوير شبكة موزعين تمتد على مستوى بولندا بأكملها، بما يضمن تقديم خدمات شاملة لما بعد البيع، إلى جانب تزويد المشترين المحتملين بحزمة من خيارات التمويل الجذابة التي تيسر اقتناء هذه الطرازات المتطورة.
وفي أعقاب ذلك، وتحديداً في مايو 2025، كشفت جميل للسيارات عن دخولها في شراكة جديدة مع شركة جيلي الصينية لإطلاق الجديدة المخصّصة للركاب في السوق البولندية.

وفي المرحلة الأولى، ستصل إلى صالات العرض طرازات تمهّد لدخول علامة «جيلي» إلى السوق البولندية؛ في مقدمتها “جيلي إي إكس 5” (Geely EX5)، وهي سيارة رياضية متعددة الاستخدامات كهربائية بالكامل من الجيل الجديد، إلى جانب طراز هجين قابل للشحن ضمن فئة سيارات الدفع الرباعي المدمجة. وقد جرى تطوير كلا الطرازين استناداً إلى منصة الهندسة الكهربائية الذكية العالمية التي طوّرتها شركة «جيلي» بنفسها، وهي منصة متطورة تجمع بين التصميم العصري، وأعلى معايير السلامة، وقيمة اقتصادية جاذبة للمستهلك.
[1] https://www.acea.auto/files/Press_release_car_registrations_December_2025.pdf
[2] https://www.acea.auto/files/Press_release_car_registrations_December_2025.pdf
[3] https://polandinsight.com/polish-automotive-market-rebounds-in-2024-new-car-sales-reach-a-five-year-high-54697/
[4] https://polandinsight.com/polish-automotive-market-rebounds-in-2024-new-car-sales-reach-a-five-year-high-54697/
[5] https://autovista24.autovistagroup.com/news/mix-of-stability-and-concern-for-polands-automotive-markets/
[6] https://tridenstechnology.com/byd-sales-statistics/
[7] https://polandinsight.com/polish-automotive-market-rebounds-in-2024-new-car-sales-reach-a-five-year-high-54697/


