هل بات سوق السيارات في بولندا مستعداً لكسر احتكار السيارات التقليدية؟

Aerial view of Podgorze district in Krakow, Poland
يشهد قطاع السيارات في بولندا حالياً نمواً متسارعاً يضعه في طليعة المنافسة، متفوقاً على العديد من الأسواق الأوروبية الكبرى من حيث مبيعات السيارات الجديدة.
وتكشف البيانات الختامية لعام 2025 عن تحقيق بولندا رقماً قياسياً تاريخياً؛ إذ بلغ عدد تسجيلات السيارات الجديدة 597,435 سيارة، لتأتي في المرتبة الثانية بعد إسبانيا مباشرة، محققة نمواً سنوياً نسبته 8.3% في فئة سيارات الركاب والمركبات التجارية الخفيفة — وهو رقم غير مسبوق منذ آخر ذروة شهدها السوق في عام 1999. وفي الفترة نفسها، شهدت الأسواق الأوروبية العريقة في صناعة السيارات مسارات مغايرة تماماً؛ حيث تراجعت المبيعات في فرنسا بنسبة 4%، وانكمشت في إيطاليا بنسبة 2.1%، بينما لم يتجاوز نمو السوق الألماني حاجز 1.4%.

ومع ذلك، ثمة عامل آخر يميز قطاع السيارات البولندي، وهو عامل يتجاوز حدود الأرقام إلى أبعاد اقتصادية وثقافية وبيئية أكثر عمقاً. فبينما تشهد السيارات الكهربائية طفرة عالمية متسارعة، لا يزال المستهلكون في بولندا متمسكين بمركباتهم العاملة بمحركات الاحتراق الداخلي، ويبدو أنهم غير مستعدين بعد للتخلّي عنها أو إرسالها إلى ساحات الخردة.
ما مدى شعبية السيارات العاملة بمحركات الاحتراق الداخلي في بولندا؟
بحلول نهاية عام 2025، حققت السيارات الكهربائية العاملة بالبطاريات حصة سوقية بلغت 17.4% على مستوى الاتحاد الأوروبي، مدفوعة بزيادة في المبيعات السنوية تجاوزت 26%، بينما استحوذت السيارات الهجينة القابلة للشحن على 9.4% من إجمالي السوق.
أما بولندا، فرغم التوقعات المتحفظة، فقد تجاوزت هذه المسارات بمراحل؛ حيث حافظت البلاد على نمو ثلاثي الأرقام في مبيعات السيارات الكهربائية الجديدة طوال العام، لتختتم السنة المالية 2025 بحصة سوقية إجمالية بلغت 6.4%.
ومع ذلك، تظل هذه الأرقام، رغم إيجابيتها، قائمة على قاعدة منخفضة للغاية، ما يجعل مركبات الطاقة الجديدة نادرة نسبياً في بولندا. فهناك بالكاد أكثر من 100,000 سيارة كهربائية بالكامل تسير على الطرق البولندية، إلى جانب نحو 99,000 سيارة هجينة قابلة للشحن. وفي المجمل، لا تزال السيارات الكهربائية تستحوذ على ما يقارب 6% فقط من السوق، وهو ما يعكس ارتباط المجتمع البولندي بشكل كبير بالسيارات العاملة بمحركات الاحتراق الداخلي.

ويقول مارسين سْوامكوفسكي، الخبير المخضرم في قطاع السيارات والمدير العام لشركة جميل للسيارات بولندا: “حتى لو اقتربت الحصة السوقية للسيارات الكهربائية خلال هذا العام من 7%، فمن الواضح لمصنعيّ السيارات والموزعين أن هذا القطاع وحده لا يوفر بعد أحجام المبيعات التي يحتاجون إليها.”
وربما يمكن تفسير هذه الظاهرة جزئياً بالتكلفة المرتفعة نسبياً لمركبات الطاقة الجديدة، مقارنة بالقوة الشرائية للأسر في بولندا، والتي لا تزال دون المتوسط الأوروبي.
فقد استقر متوسط الأجر السنوي للموظف بنظام الدوام الكامل في بولندا عند مستوى يزيد قليلاً عن 20,000 يورو في عام 2024، وهو ما يعادل نصف المتوسط الأوروبي، ويتخلف بفارق كبير عن الدول المتصدرة لسلم الرواتب مثل لوكسمبورغ (أكثر من 80,000 يورو)، والدنمارك (أكثر من 70,000 يورو)، وأيرلندا (أكثر من 60,000 يورو).
ومع ذلك، فإن سبر أغوار قطاع السيارات البولندي يكشف عن عوامل أعمق وأكثر تأثيراً، إلى جانب مؤشرات واضحة على أن قطاع المركبات الكهربائية والهجينة الناشئ يستعد لمرحلة تسارع لافتة في المستقبل القريب.
كيف يمكن للخيارات الجديدة أن تساعد في تجاوز مقاومة السوق؟
يتمتع مارسين سْوامكوفسكي برؤية دقيقة وثاقبة لحركة السوق البولندي وتوجهاته، خصوصاً فيما يتعلق بالتحديات والفرص المرتبطة بدمج المتطلبات البيئية في المشهد المحلي.
وتأتي تحليلاته في توقيت بالغ الأهمية؛ ففي أبريل 2025 أعلنت «جميل للسيارات» عن اتفاقية توزيع مع شركة “جي إيه سي” (GAC)، إحدى كبريات شركات تصنيع السيارات في الصين، لتوزيع مركباتها من طرازات “آيون” (AION) و”هايبتك” (Hyptec) المستدامة في بولندا. وبعد ذلك بوقت قصير، وتحديداً في مايو، كشفت «جميل للسيارات» عن شراكة جديدة مع جيلي أوتو الصينية لإطلاق سيارة “إي إكس 5” (EX5)— وهي سيارة كهربائية رياضية متعددة الاستخدامات من الجيل الجديد — في السوق البولندي، إلى جانب طراز “ستاراي إي إم آي” (Starray EM-i)، وهي مركبة هجينة قابلة للشحن ضمن فئة سيارات الدفع الرباعي المدمجة من «جيلي».
غير أن إحراز تقدم ملموس في الحصة السوقية يستلزم إعادة النظر في بعض المفاهيم الراسخة بشأن إقبال المستهلكين في بولندا على مركبات الطاقة الجديدة.
وفي هذا الصدد، يقول مارسين: “إن وجهة نظر المستهلك هنا في بولندا فريدة من نوعها حقاً؛ فبينما تشتهر العلامات الصينية عالمياً بتفوّقها في السيارات الكهربائية، لا تزال الطرازات الصينية المطروحة في بولندا تعتمد في معظمها على محركات الاحتراق الداخلي، مع بروز علامات مثل أومودا وبايك كأهم اللاعبين في هذا القطاع.”
ومع ذلك، فإن السوق البولندي يتسم بديناميكية عالية؛ حيث أدت سلسلة من التحولات الجوهرية إلى تحفيز الطفرة الأخيرة في مبيعات السيارات الكهربائية محلياً. ويأتي على رأس هذه العوامل الحوافز المالية القوية..
هل تنجح الحوافز الحكومية في تغيير قناعات المشترين؟
يقول مارسين: “في الآونة الأخيرة، توفّرت لدينا حوافز حكومية جذابة للغاية، تتيح للمشترين الحصول على منحة قدرها 30,000 زلوتي بولندي — أي ما يزيد قليلاً عن 7,000 يورو — عند شراء سيارة كهربائية. وبالنسبة للكثيرين، يمثل هذا المبلغ رقماً فارقاً قد يشكل حجر الزاوية في اتخاذ القرار بين شراء سيارة تعمل بمحرك احتراق داخلي (حتى وإن كانت مستعملة) أو الإقدام أخيراً على خوض التجربة واقتناء سيارة كهربائية.”
ولا يقتصر الأمر على المنح المباشرة، بل تشهد المنظومة الضريبية والتنظيمية في بولندا عملية إصلاح شاملة لتعزيز حضور المركبات الصديقة للبيئة. فابتداءً من أكتوبر 2025، ستشهد إصلاحات برنامج “ناش إي أوتو” (NaszEauto) البولندي توسيع نطاق الفئات المؤهلة للحصول على حوافز المركبات عديمة الانبعاثات، مع توضيح المبالغ المقدمة بدقة.
ولا يقتصر تقديم طلبات حوافز الدعم على الأفراد ورواد الأعمال فحسب؛ بل يشمل أيضاً المنظمات غير الحكومية، والمؤسسات العامة، والمتنزهات الوطنية، إضافة إلى المؤسسات التعليمية والطبية ومرافق الرعاية الصحيّة. وستعتمد قيمة الدعم على فئة السيارة المشتراة؛ إذ يمكن للسيارات العائلية الحصول على دعم يصل إلى 40,000 زلوتي بولندي، والمركبات التجارية الخفيفة حتى 70,000 زلوتي بولندي، أما حافلات الركاب فقد يصل دعمها إلى 600,000 زلوتي بولندي. وحتى الآن، تم تقديم 16,314 طلباً فردياً تزيد قيمتها على 500 مليون زلوتي بولندي (ما يعادل 118 مليون يورو).
وإلى جانب الدعم المالي، تبرز مسألة “سهولة الاستخدام والراحة” كعامل محوري لمن يفكرون في التحول من محركات الاحتراق الداخلي إلى مركبات الطاقة الجديدة، لاسيما مع شيوع كلمات مثل “المدى” و”إعادة الشحن”. ففي الأيام الأولى لظهور السيارات الكهربائية، كان السائقون في بولندا يخشون بطبيعة الحال أن تكون الرحلات الطويلة غير عملية، بسبب محدودية المسافة التي يمكن قطعها بشحنة كاملة، فضلاً عن عدم ضمان العثور على محطة شحن مناسبة عند الحاجة.
غير أن هذه التصوّرات باتت تتغيّر بالفعل، ويعود الفضل في ذلك إلى التطوّر التكنولوجي المتسارع والاستثمارات الضخمة التي يجري ضخّها في هذا القطاع.
إلى أي مدى تتغير المواقف تجاه السيارات الكهربائية؟
يقول مارسين: “تتغير التوجهات هنا بوتيرة سريعة للغاية. فقبل سنوات، كانت السيارة الكهربائية تقطع 200 أو 300 ميل بشحنة واحدة، أما اليوم فنحن نتحدث عن ضعف هذه المسافة، أي ما يعادل 500 أو 600 ميل، مع وعود من بعض الطرازات المتقدمة بتجاوز ذلك المدى.”
ويضيف: “بالتوازي مع هذا التطور، تتوسع البنية التحتية الداعمة للسيارات الكهربائية في بولندا بوتيرة غير مسبوقة. فنحن نملك اليوم ما يزيد قليلاً على 10,000 محطة شحن، ونتوقع أن يتضاعف هذا الرقم مرة أخرى خلال العامين المقبلين. والأهم من ذلك أن العديد من محطات الشحن الجديدة تعمل بتقنية التيار المستمر عالية القدرة؛ فبينما تقتصر الكثير من محطات الشحن في أوروبا على فئة 40 كيلوواط، نتجه في بولندا نحو جيل جديد بقدرات 80 و100 و150 كيلوواط. والفارق هنا كبير بالفعل، إذ يصبح بإمكان السائقين شحن سياراتهم في نحو 20 دقيقة بدلاً من ساعتين أو ثلاث ساعات.”

وتشهد محطات الشحن داخل المدن توسّعاً متسارعاً؛ فالعاصمة وارسو تضم اليوم أكثر من 800 نقطة شحن، بينما تمتلك أربع مدن أخرى — غدانسك وكراكوف وبوزنان وشتشيتسين — ما يزيد على 300 نقطة لكل منها.
ومع ذلك، فإن هذه الخطوات ليست سوى بداية لمرحلة توسّع أوسع نطاقاً. فحتى الآن، لا يلبي سوى 13% من الطرق السريعة البولندية ضمن شبكة النقل الأوروبية العابرة معايير الاتحاد الأوروبي التي تفرض وجود محطة شحن كل 60 كيلومتراً في كل اتجاه. ويهدف برنامج دعم جديد من «الصندوق الوطني لحماية البيئة وإدارة المياه» (NFOSiGW) في بولندا إلى سد هذه الفجوة من خلال تمويل أولي قدره 1 مليار زلوتي بولندي (236 مليون يورو) لإنشاء وتوسيع شبكة محطات الشحن فائقة السرعة.
إن وجود مركبات أكثر تطوراً، وحوافز مالية مغرية، وبنية تحتية داعمة وقوية، يمثل توليفة مُقنعة تجعل مارسين والكثيرين غيره على قناعة تامة بأن مستقبل قطاع مركبات الطاقة الجديدة في بولندا واعد ومشرق.
كيف تُسهم العلامات الصينية في دفع نمو سوق السيارات الكهربائية؟
يقول مارسين موضّحًا: “تتماشى الحكومة البولندية الجديدة في توجهاتها مع سياسات الاتحاد الأوروبي، بهدف مواكبة مسار التحول نحو السيارات الكهربائية. ولذلك، فمن الطبيعي توقّع وتيرة نمو أسرع من أي وقت مضى في سوق السيارات الكهربائية، سواء على مستوى حجم المبيعات أو تنوّع مركبات الطاقة الجديدة المطروحة.”
ويضيف: “لا نملك قاعدة محلية مزدهرة لصناعة السيارات هنا في بولندا، لذا لا ينجذب الناس إلى العلامات التجارية بدافع الولاء الوطني، بل بناءً على القيمة والجودة. ولهذا لدي آمال كبيرة في العلامات الصينية داخل سوقنا، لأنها تمثل مزيجاً مثالياً من هاتين الميزتين.”

المدير العام
جميل للسيارات – بولندا
ولا تزال السيارات الأمريكية والأوروبية والكورية تهيمن على سوق السيارات الصديقة للبيئة المتنامي في بولندا. ففي النصف الأول من عام 2025، جاءت «تيسلا» و«كيا» و«هيونداي» في صدارة العلامات الأكثر مبيعاً في فئة السيارات الكهربائية، تلتها «بي إم دبليو» و«مرسيدس-بنز» و«سيتروين» و«فورد». أما فئة المركبات الهجينة القابلة للشحن، فقد تصدّرتها «تويوتا» و«فولفو»، تليهما مركبة «سيل يو» الرياضية متعددة الاستخدامات من «بي واي دي».
ويمثّل صعود «بي واي دي» كلاعب رئيسي في السوق مؤشراً واضحاً على الطفرة المتوقعة لمركبات الطاقة الجديدة الصينية في هذا السوق سريع التطور.
ويتابع مارسين: “بمجرد أن يجرّب المستهلكون هذه السيارات بأنفسهم ويقودونها، تتلاشى سريعاً التصورات والانطباعات السائدة بأنها خيار منخفض الجودة أو مجرد حل وسط. والواقع أن سمعة السيارات الكهربائية، ولا سيما الصينية منها، تتحسن باستمرار.”
ويضيف: “وفيما يتعلق بسيارات جي إيه سي وجيلي التي نطرحها، أشعر بحماس كبير وإقبال لافت، ويبدو ذلك جلياً من أعداد العملاء المحتملين الذين يستفسرون، ويخوضون تجارب القيادة، ويبدون انطباعات إيجابية حول التصميم وسلاسة القيادة.”
“فعلى سبيل المثال، يؤكد الذين جرّبوا قيادة سيارة هايبتك من “جي إيه سي” أنهم وجدوا فارقاً طفيفاً جداً في جودة الخامات المستخدمة مقارنةً بالطرازات المنافسة الشهيرة. رهاننا الحقيقي هو تقديم منتج راقٍ بسعر مناسب، وهذا هو الركيزة الحقيقية لنجاحنا. وبالنظر إلى فئتي السيارات الكهربائية القابلة للشحن والهجينة، أرى أن الآفاق المستقبلية لسوق التنقّل المستدام في بولندا واسعة ومبشرة للغاية.”
[1] https://www.acea.auto/files/Press_release_car_registrations_December_2025.pdf
[2] https://www.acea.auto/files/Press_release_car_registrations_December_2025.pdf
[3] https://www.acea.auto/pc-registrations/new-car-registrations-1-8-in-2025-battery-electric-17-4-market-share/
[4] https://www.pzpm.org.pl/en/Europe/EUROPE-Registrations-of-vehicles/PASSENGER-CARS/Year-20252
[5] https://notesfrompoland.com/2025/10/08/number-of-fully-electric-passenger-vehicles-in-poland-passes-100000
[6] https://ec.europa.eu/eurostat/web/products-eurostat-news/w/ddn-20251112-1
[7] https://www.pzpm.org.pl/pl/content/download/21006/256326/file/Raport%20KPMG%20w%20Polsce%20i%20PZPM_Bran%C5%BCa%20motoryzacyjna.pdf
[8] https://www.pzpm.org.pl/pl/content/download/21006/256326/file/Raport%20KPMG%20w%20Polsce%20i%20PZPM_Bran%C5%BCa%20motoryzacyjna.pdf
[9] https://www.pzpm.org.pl/en/content/download/16942/152104/file/Licznik_Elektromobilnosci_2025-08_A4_EN.jpg
[10] https://mobilityportal.eu/poland-charging-infrastructure-may-2025/
[11] https://mobilityportal.eu/2-billion-boost-for-electromobility-in-poland/
[12] https://mobilityportal.eu/poland-emobility-record-3779-bevs-june-2025/


